محمد جمال الدين القاسمي
114
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 220 ] فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 220 ) فِي الدُّنْيا أنها فانية - والآخرة - أنها باقية ، وفي أمورهما لتصلحوها ولا تتحملوا مفسداتهما ، فلا تتركوا اللذائذ الباقية للذائذ الفانية . وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى أخرج أبو داود « 1 » والنسائي « 2 » والحاكم وغيرهم ، عن ابن عباس قال : لما نزل قوله تعالى : وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ * [ الأنعام : 152 ] . وقوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً [ النساء : 10 ] انطلق من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه ، فجعل يفضل له الشيء من طعامه وشرابه ، فيحبس له حتى يأكله أو يفسد ، فاشتدّ ذلك عليهم . فذكروا ذلك لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . فأنزل اللّه تعالى وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى . . . الآية فخلطوا طعامهم بطعامهم وشرابهم بشرابهم . وقوله تعالى : قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ أي : مداخلتهم على وجه الإصلاح لهم ولأموالهم خير من مجانبتهم . وإنما أقيم غاية المداخلة - أعني الإصلاح - مقامها ، تنبيها على أنّ المأمور به مداخلة يكون ترتب الإصلاح عليها ظاهرا . كأنها عين الإصلاح وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ تعاشروهم ولم تجانبوهم فَإِخْوانُكُمْ فهم إخوانكم في الدين - الذي هو أقوى من العلاقة النسبية . ومن حقوق الإخوة : المخالطة بالإصلاح والنفع . قال الأصبهانيّ : وإذا كان هذا في أموال اليتامى واسعا ، كان في غيرهم أوسع . وهو أصل شاهد لما يفعله الرفاق في الأسفار . يخرجون النفقات بالسوية ، ويتباينون في قلة المطعم وكثرته . وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ لأموالهم مِنَ الْمُصْلِحِ لها ، فيجازيه على حسب مداخلته ، فاحذروه ولا تتحرّوا غير الإصلاح وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ لحملكم على
--> ( 1 ) أخرجه أبو داود في : الوصايا ، 7 - باب مخالطة اليتيم في طعامه ، حديث 2871 . ( 2 ) أخرجه النسائي في : الوصايا ، 11 - باب ما للوصيّ من مال اليتيم إذا قام عليه .